التعصب و الحوار
بسم الله الرحمن الرحيم
{ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَ...
..... إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ }
سبأ24
مرة أخرى ومحاولة جديدة للإجابة على سؤال الأخ رائع حول الحوار والتعصب في مجتمعنا؟ وكان سؤاله :
في عصرنا نفتقد الكثير من بصيرة الحوار ومدلولات الأقناع فما بين متزمت متعصب لرآيه وبين أمعة لا يفقهه سوى مع القوم ... فكيف نربي أنفسنا من خلال تعاليم القرآن على عمق الحوار والحجة في أقناع الطرف الآخر ؟
للإجابة على سؤالك الوجيه أخي العزيز:
نريد فقط أن نقف عند الآية الكريمة - أعلاه - ونسأل هذا السؤال:
ما هو وجه العلاقة بين الشق الأول من الآية المباركة وهو:{قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ} وبين الشق الثاني وهو: { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ }؟!
الجواب والتوضيح:
أنهم كانوا لا يفكرون بشكل صحيح فعبدوا الأصنام والأشجار وكل شيء من دون الله، فجاء النبي الأعظم ليصحح لهم مفهوم العبادة - وطبعاً هذا ما قام به الأنبياء الذين من قبله مع أقوامهم أيضاً – ويضع الأمور في نصابها وفي مسارها الصحيح ومنها الخضوع والسجود والركوع والإمتثال والطاعة ..كل هذه لمن؟! لله الذي بيده ملكوت كل شيء ، و كما ذكرت الآية الكريمة في شقها الأول: :{قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ} إذن: فلا ينبغي الخضوع و الطاعة والتذلل والتوكل والعبادة إلا لمن خلق ورزق وقدر على كل شيء،يقول أمير المؤمنين عليه السلام((رأيتك أهلا للعبادة فعبدتك)) ثم إن الله عزوجل يقول للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله):فل لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان وأولئك الكافرين من الكفار والدهريين والصابئة وووإلخ قل لهم: فكروا جيداً: من الذي يرزقكم ما تأكلون وتشربون وتلبسون وتبيعون وتشترون من السماوات والأرض أي من النعم النابتة من الأرض أو من النعم النازلة من السماء ؟! وهنا يقدم القرآن الكريم الدليل الحسي والمادي على ودود الصانع الذي يتنكر لوجوده الجاحدون في القسم الأول من هذه الآية المباركة.
وأما في القسم الثاني من الآية فإن الله عز وجل يقول لنََبيـّة الأكرم :
ولا تكتفي معهم بتقديم الدليل المادي والحسي، بل يحسن بك أن تدعوهم للحوار ليتسنى لهم استيعاب القدر الممكن من الأدله الأخرى وحتى استخدام الأسلوب الأمثل واللباقة في أقصى مالها من حدود ،والأخلاق في أروع ما تجسده أخلاق الحوار من روعة وشفافية فكل ذلك سيكون له الأثر الفعال والسريع في إيمان تقريب البعيد وتقصير المسافة وجتذاب الطرف الآخر إلى الحق ،إلا اللهم فئة من الناس حشيت رؤوسهم بالكبرياء فسيلوون أعناقهم غرورا بأنفسهم ومكابرة لخصمهم ؟!يقول القسم الآخر من الآية الشريفة/{ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ }؟! بمعنى أنك بعد أن عرفتهم وذَكَّرْتهم بمصدر الرزق وهو أمر مهم في حياة البشر(عصب الحياة،كما يقال)فأكمل معهم الحوار والدعوة إلى الحق بأن تفرض نفسك عليهم بجاذبية الأخلاق ، أعني أخلاق الحوار ومقدماته التمهيدية الشائقة والمشوقة له ، وذلك بأن لا تعتبر نفسك - منذ البداية - أنك أنت المحق والمهتدي وأنهم - منذ البداية - هم المبطلون والضالون؟! فإنك ستكون قد أفشلت الخطة وأجهضت الدعوة في مهدها بهذا الأسلوب - وهذا لنا أيها الإخوة أكثر مما هو لرسول الله – فقل لقومك المناوئين لدعوتك :تعالوا نتحاور لنصل إلى الحقيقة.. فكلنا نحن وأنتم طلاب حق..وليس هناك من يزعم أنه عاقل ويتعمد إلقاء نفسه في مخاطر التيه والضلال وما بعده من العذاب والجحيم الدائم ..والأبدي ؟!(إلا مرضى القلوب وصغار النفوس)إذن: تعالوا نلتقي.. لنتحاور.. ونتحاور لنفهم ؟! ونفهم لتطمئن قلوبنا إلى الحقيقة الناصعة، والمعتقد السليم ، ثم بعد ذلك ليفهم بعضنا بعضا .
فربما تكونون أنتم الذين على حق وهدى ونحن المخطئون والمشتبهون؟!فنصل - بفضل هذا الحوار- إلى ما توصلتم أنتم إليه – ما دام أن الحق ضالتنا وغايتنا ،، وليس أننا جئنا للتعصب والمغالطات والمكابرة بالباطل- ،والعكس صحيح ، فربما يكون الحق والهدى هو ما تنزل علينا وما جئناكم به وما دعوناكم إليه فتكسبون من هذا اللقاء الشيق والحوار الممتع أنكم تعرفتم على طريقة تفكيرنا وأنها كانت سليمة وعلمية ومنطقية ومستندة إلى أقوى البراهين وأرقى الأدلة وأصح المستندات...فتطمئنون وتذعن نفوسكم إلى الحق وتخشع قلوبكم لذكر الله الذي وهبكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون..
فلاحظوا أيها الأخوات والإخوة الأعزاء.. الربط بين شطري الآية الكريمة !! وكيف كان الاستدراج اللطيف إلى الحوار والدعوة إلى الإيمان بالله تعالى..
أردت أن أقول من هذا كله:
أننا لن نشذ عن هذا الأسلوب الإلهي المتين وهذا التلطف القرأني الرقيق في الدعوة إلى ما نؤمن به إلا إذا – لا سمح الله – تركتا كتاب الله وراء ظهورنا وتخلفنا عن التمسك به وبأهل البيت المعصومين (عليهم السلام) وعن امتثال أوامرهما كما أمرنا الله تعالى بذلك وكما أمرنا رسوله
(صلى الله عليه وآله)..هذا ،، إن أردنا أن تنجح أهدافنا في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى ، وإلى الإسلام العزيز،وإلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وأردنا لمسيرتنا الإسلامية الرشيدة أن تحقق أهدافها في العالم ،، أقول :لن نصل إلى أهدافنا،، ولن تتحقق آمالنا ولن تتحسن أحوالنا إلا إذا ابتعدنا عن أساليب الإقصاء للآخر أيا كان مسيحي!!..أو يهودي!!..أو بوذي!!..أو سني عام ؟!..
أي بمختلف المذاهب الإسلامية السنية..أو سني خاص..وأعني بهم تلك الفئة المعلومة من المتطرفين والإقصائيين من الدرجة الأولى والذين هم ليسوا ضد الشيعة فحسب !؟ بل هم ضد جميع طوائف المسلمين وهم يعتبرون أنفسهم هم فقط الذين يملكون الحق والحقيقة وأما من عداهم فمشركين وعلى ضلال مبين؟!!
أقول: تبقى للحوار سيادته على كل الحلول الأخرى وحتى بين فئتين من الشيعة أنفسهم،، أو ما يعرف - اليوم- بالحوار الشيعي-الشيعي،فهذا الأمر - الحوار- مطلوب بقوة في هذا الظرف الراهن، وهو من أنجع وأرقى الحلول لتقريب وجهات النظر من بعضها البعض..وعلى سبيل المثال لا الحصر ما مرَّ بمجتمع شيعة الأحساء الطيبين من نجار واختلاف قبل فترة وربما مازالت له بعض الآثار والتفاعلات السلبية إلى الآن، وهي مما تؤثمنا وتثقل ظهورنا بالأوزار والإشكاليات العظيمة أمام الله تعالى !! ومما تشمت بنا أعداءنا وتثلج صدور النواصب وتقر عيونهم وهم يشاهدون ما يجري بيننا وذلك بسبب عدم فهمنا لبعضنا البعض،وعدم محاولتنا لتجاوز هذه المراحل بأكثر وعي وذكاء مما نحن عليه..فياليتنا أيها المؤمنون ننتبه لهذا المعنى!!ونوليه منا عناية واهتمام كبيرين كلما رأينا شرارت الخلاف تنقدح هنا أو هناك لنقوم بما يجب علينا من الإصلاح والتحذير من أخطار النزاع والتخاصم وشق عصا الوحدة والألفة..وهذا ما يطالبنا به الإسلام حتى مع من يخالفوننا ونخالفهم في المذهب والإمامة والقيادة وولاية الأمر،!؟..فكيف إذا كان من يخالفنا الرأي من بني جلدتنا وأهل مذهبنا وولايتنا لأهل البيت عليهم السلام؟!
فعليكم أيها الإخوة الأعزاء أن تجيبوا أنتم بأنفسكم على هذا التساؤل أو على هذه الإشكالية في الحقيقة؟! ما هو رأيكم؟!أقصد فيما ذكرت في السطور الأخيرة من كون شرارات التفكك ومخاطر الإنشقاق إذا كان ذلك يصدر ضدنا ممن يخالفنا الرأي مع أنه من بني جلدتنا وأهل مذهبنا وولايتنا لأهل البيت عليهم السلام؟! ولو لوكان الأمر بالعكس؟!أي أن التفكيك والتقطيع والتفرقة ونشر روائح التطرف والإقصاء يصدر منا نحن ضد أتباع ومقلدي مرجع آخر،،باعتباره غير أهل وغي كفؤ للمرجعية أو للقيادة والتقليد؟!
أيها الأعزاء :
إن مشكلتنا اليوم هي في أننا نفكر بطريقة الذين يكيلون بمكيالين ،وليس الذين يقيمون الأمور بميزان الدين والقيم والموازين الإسلامية؟!..فقد عايشت - أنا بنفسي- تجربة طويلة وقاسية في هذا السبيل ، ولا أقصد أنها كانت قاسية علي شخصياً ؟! وإن كان هذا الأمر فعلاً صحيح ،وكان العزاء أن لا بد لمن هذا نهجه وهذه مسؤوليته أن يتوقع الكثير ويتحمل أكثر بكثير مما لا قيت وتحملت؟!ولست أباهي – وأستغفر الله من المباهاة – ولكن من باب ذكر التجربة في هذا المقام، ولأوضح أن التجربة كانت طويلة وقاسية ليست بالنسبة لي بقدر ما كانت قاسية بالنسبة لمن هم الطرف الآخر فيها لأنني - والله يشهد- كنت وما زلت أتألم مما أرى وأشاهد؟! وأتألم مما أقرأ وأسمع ؟! ..وأتألم مما أستنتج وأتوقع ؟! ويعتصر قلبي الألم كلما ظهر أمامي على أرض الواقع شيء من تلك الآثار المؤلمة والمخيفة جراء تلك المقدمات التي ما كان يجب أن تكون !! ولكنها – على كل حال - صارت و حدثت وتركت للبلد تلك الآثار المحزنة ؟! ولست أريد الدخول في سلسلة من الهرطقات والأحاجي التي لا يفهم منها القارئ شيئاً مفيدا ..؟!!..
وأترك التوضيحات للظرف الأنسب فلعل الأيام حبلى بالكثير (وما عشتَ أراك الدهرُ عجبا..)إذن فلأترك للمستقبل – القريب أو البعيد - أن يكشف لي وللقراء عن ثمار ونتائج ما نزرعه نحن الآن ...؟!!...والبقية تأتي..إن شاء الله تعالى....